أحمد زكي صفوت
454
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
أمير المؤمنين ، فقال : أنا باعث الآن بصدر « 1 » منه ، ثم أبعث بصدر آخر كذلك ، حتى لا يبقى منه شئ ، إن شاء اللّه تعالى . وأقبل معقل إلى أمير المؤمنين علىّ ، وأخبره بما كان منه في ذلك ، وانتظر علىّ مصقلة أن يبعث إليه بالمال فأبطأ به ، وبلغ عليّا أن مصقلة خلّى سبيل الأسارى ولم يسألهم أن يعينوه في فكاك أنفسهم بشئ ، فقال : ما أرى مصقلة إلا قد تحمل حمالة « 2 » ، ولا أراكم إلا سترونه عن قريب مبلدحا « 3 » ، ثم إنه كتب إليه : « أما بعد : فإن من أعظم الخيانة خيانة الأمة ، وأعظم الغش على أهل المصر غش الإمام ، وعندك من حق المسلمين خمسمائة ألف درهم ، فابعث بها إلىّ ساعة يأتيك رسولي ، وإلّا فأقبل إلىّ حين تنظر في كتابي ، فإني قد تقدّمت إلى رسولي إليك ألّا يدعك أن تقيم ساعة واحدة بعد قدومه عليك إلّا أن تبعث بالمال ، والسلام عليك » . فلما قرأ كتابه أقبل حتى نزل البصرة فمكث بها أياما ، ثم إن ابن عباس سأله المال - وكان عمال البصرة يحملون المال من كور البصرة إلى ابن عباس ، ويكون ابن عباس هو الذي يبعث به إلى علىّ - فقال له : أنظرني « 4 » أياما ، ثم أقبل حتى أتى عليّا بالكوفة فأقرّه أياما ، ثم سأله المال ، فأدّى إليه مائتي ألف درهم ، ثم إنه عجز عن الباقي فلم يقدر عليه ، وما لبث أن لحق بمعاوية . وبلغ ذلك عليا فقال : ماله - ترّحه اللّه « 5 » - فعل فعل السيد ، وفرّ فرار العبد ، وخان خيانة الفاجر ! أما واللّه لو أنه أقام فعجز ما زدنا على حبسه ، فإن وجدنا له شيئا أخذناه ، وإن لم نجد له مالا تركناه » . ( تاريخ الطبري 6 : 75 ، وشرح ابن أبي الحديد م 1 ص 270 )
--> ( 1 ) الصدر : الطائفة من الشئ : ( 2 ) الحمالة : الدية يحملها قوم عن قوم . ( 3 ) بلدح : وعد ولم ينجز العدة ، وأعيا وبلد : ( 4 ) أي أمهلني . ( 5 ) ترحه : أي أحزنه ، من الترح بالتحريك ضد الفرح .